ابن رشد
156
تهافت التهافت
كلام أيضا مختل ، فإن هذه التسمية تصدق على الفلك الأول أو على السماء بأسرها ، وبالجملة على أي نوع كان من الموجودات إذا فرض لا علة له ولا فرق بين هذا الاعتقاد واعتقاد الدهرية . وقوله عنهم أيضا : وثبوت موجود لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القاطع على قرب . كلام مختل أيضا فإنه يحتاج أن يفصل العلل الأربعة ويبين أن في كل واحد منها أولا لا علة له ؛ أعني أن العلل الفاعلية ترتقي إلى فاعل أول والصورية إلى صورة أولى والمادية إلى مادة أولى والغائية إلى غاية أولى ، ويبقى بعد هذا بيان أن هذه العلل الأربعة الأخيرة ترتقي إلى علة أولى ، وهذا كله غير ظاهر من هذا القول الذي حكاه عنهم . وكذلك القول الذي أتى به في بيان أن هاهنا علة أولى كلام مختل وذلك أن قوله : قال نقول : العالم وموجوداته أما أن يكون له علة أو لا علة له إلى آخر قوله : وذلك أن اسم العلة يقال باشتراك الاسم . وكذلك مرور الأسباب إلى غير نهاية هو من جهة ما عندهم ممتنع ، ومن جهة ما واجب عند الفلاسفة ، وذلك أنه ممتنع عندهم إذا كانت بالذات وعلى استقامة إن كان المتقدم منها شرطا في وجود المتأخر ، وغير ممتنع عندهم إذا كانت بالعرض ودورا ، وإذا لم يكن المتقدم شرطا في وجود المتأخر وكان هنالك فاعل أول مثل وجود المطر عن الغيم ، والغيم عن البخار ، والبخار عن المطر ، فإن هذا يمر عندهم دورا إلى غير نهاية ، لكن ذلك ضرورة بسبب أول . وكذلك وجود إنسان عن إنسان ، إلى غير نهاية ، لأن وجود المتقدمات عندهم في أمثال هذه ليس هو شرطا في وجود المتأخرات ، بل ربما كان الشرط فساد بعضها ، وأمثال هذه العلل هي عندهم مرتقية لعلة أولى أزلية تنتهي الحركة إليها في علة علة من هذه العلل في وقت حدوث المعلول الأخير ، مثال ذلك : إن سقراط إذا ولد أفلاطون فإن المحرك الأقصى للتحريك عندهم في حين توليده إياه هو الفلك أو النفس أو العقل أو جميعها أو الباري سبحانه ، ولذلك ما يقول أرسطو : إن الإنسان يولده إنسان والشمس وبيّن أن الشمس ترتقي إلى محركها ، ومحركها إلى المبدأ